الشيخ محمد رشيد رضا
198
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ان أراد ان يستبد فيهم الا ما كان لعثمان من عصبية بني أمية ولم يرد هو أن يستبد بقوتهم وعصبيتهم ولما أخذته الأمة بظلمهم لم يغنوا عنه شيئا فالخلفاء الراشدون كانوا مخلصين في مشاركة أولي الأمر من الأمة في الحكم والتقيد برأيهم فيما لا نص فيه لقوة دينهم وعدالتهم ولأن هذا هو الذي كان متعينا ولم يكن في استطاعة أحد منهم - والاسلام في عنفوان قوته - أن يتخذ له عصبية يستبد بها دون أولي الامر ان شاء ( على أنه لقوة دينه لا يشاء ) وهذه الحال من الأسباب التي حالت دون الشعور بالحاجة إلى وضع أولي الأمر لنظام يكفل دوام العمل بالشورى الشرعية وتقييد الأمراء والحكام برأي أولي الأمر ( المسألة الثانية في حال أولي الأمر بعد الراشدين ) بنو أمية هم الذين زحزحوا بناء السلطة الاسلامية عن أساس الشورى إذ كوّنوا لأنفسهم عصبية بالشام هدموا بها سلطة أولي الأمر من سائر المسلمين بالحيلة والقوة وحصروها في أنفسهم فكان الأمير مقيدا بسلطة قومه لا بسلطة أولي الأمر من جميع المسلمين فخرجوا عن هداية الآية شيئا فشيئا ثم جاء العباسيون بعصبية الأعاجم من الفرس فالترك . ثم كان من أمر التغلب بين ملوك الطوائف بعصبياتهم ما كان فلم تكن الحكومة الاسلامية مبنية على أساسها من طاعة اللّه ورسوله وأولي الأمر بل جعلت أولي الامر كالعدم في أمر السلطة العامة ، وكان تحري طاعة اللّه ورسوله بالعدل ورد الأمانات إلى أهلها يختلف باختلاف درجات الأمراء والحكام في العلم والدين فكانت أحكام عمر بن عبد العزيز كأحكام الخلفاء الراشدين في العدل ولكنه لم يستطع أن يرد أمانة الإمامة الكبرى إلى أهلها لان عصبية قومه كانت محتكرة لها حبا في السلطة والرياسة . ثم كانت سلطة الملوك العثمانيين بعصبيتهم القومية ، وقوة جيوشهم المعروفة بالانكشارية ، ولم يكن هؤلاء من أولي الامر ، أصحاب الفقه والرأي ، الذين هم في المسلمين أهل الحل والعقد ، بل كانوا اخلاطا من المسلمين والكافرين يأخذهم السلاطين ويربونهم تربية حربية ، ثم كوّنوا جندا اسلاميا ثم جندا مختلطا ( المسألة الثالثة أولو الامر في زماننا وكيف يجتمعون ) ذكرنا في تفسير الآية ان أولي الامر في زماننا هذا هم كبار العلماء ورؤساء الجند والقضاة وكبار التجار